كل يوم، وفي كل لحظة، يخوض جسم الإنسان معركة صامتة لا نشعر بها. فمع كل نفس نستنشقه، وكل وجبة نتناولها، وكل سطح نلامسه، تحاول ملايين الكائنات الدقيقة والعوامل الممرِضة النفاذ إلى أجسامنا عبر منافذ متعددة. ومع ذلك، لا نصاب بالمرض في كل مرة نتعرض فيها لهذه العوامل، وذلك بفضل منظومة دفاعية مذهلة تُعرف بـ الجهاز المناعي.

يتميز هذا الجهاز بقدرته على التعرّف بدقة على كل ما هو غريب عن الجسم، والتمييز بين الذات وغير الذات، ثم تنسيق سلسلة من الاستجابات الدفاعية المعقدة التي تهدف إلى منع تكاثر العوامل الممرضة والقضاء عليها مع الحفاظ على سلامة أنسجة الجسم. ويُعد علم المناعة من أكثر العلوم الحيوية تطورًا، إذ يفسّر آليات الدفاع الطبيعية، كما يفتح آفاقًا واسعة لفهم اللقاحات، والأمراض المعدية، والحساسية، وأمراض المناعة الذاتية، والعلاجات المناعية الحديثة.

يحتوي محيطنا على تنوع كبير من المتعضيات الممرضة القادرة على التسرب إلى الجسم عن طريق أماكن كثيرة دون أن يؤدي ذلك إلى المرض لأن للجسم قوة تمكنه من إيقاف نمو الكائن الدخيل و التخلص من أذاه. و تسمى هذه القدرة على المقاومة بالمناعة. كما نلاحظ عند الشخص العادي أن العدوى غالبا ما تكون مدتها محدودة و تختفي بدون أي أثر، و يتحقق هذا بفضل الجهاز المناعي الذي يسهر على المحافظة على سلامة الجسم و تكامله.

اشتقت كلمة "مناعة" من الكلمة اللاتينية " immunitas " التي تعني " تخلص من " أو "معفى من"، و في ميدان الطب، استُعملت للتعبير عن مفهوم الحصانة من المرض.